الشيخ السبحاني
14
البداء في ضوء الكتاب والسنة
وعلى ذلك ، فلا يطلق « البداء » في المحاورات العرفيّة إلّا إذا ما بدا له رأي في الشيء لم يكن له ذلك الرأي سابقا ، بان يتبدّل عزمه في العمل الذي كان يريد أن يصنعه ، ويحدث عنده ما يغيّر رايه وعلمه به ، فيبدو له تركه ، بعد أن كان يريد فعله ، أو بالعكس وذلك عن جهل بالمصالح والمفاسد . هذا هو معنى « البداء » وعليه جرت اللغة والعرف ومن المعلوم انّه لا يمكن أن يطلق « البداء » بهذا المعنى على اللّه سبحانه لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله به ، وهذا محال ، ولا أظنّ أن يطلق مسلم عارف بالكتاب والسنة ملمّ بالمباحث الفلسفيّة والكلاميّة ، البداء بهذا المعنى في حقّه سبحانه ، ونسبته بهذا المعنى إلى الشيعة كما فعل البلخي والرازي وغيره - ناقلا له عن سليمان بن جرير ، ناشئة عن عدم معرفته بمعتقد الامامية في هذا المجال ، وعدم رجوعه إلى الأصول المصنّفة بأيدي أقطابهم وعلمائهم والروايات الواردة عن أهل البيت في هذا المضمار . وعلى ذلك فلا بدّ ان يطلب للبداء معنى آخر في هذا المورد سواء أكان استعمال ذلك اللفظ في هذا المعنى الآخر حقيقة أم مجازا ، إذ البحث يدور على صحة المراد من هذه الكلمة ، لا في صحة الاستعمال ، وإن كان الاستعمال أيضا صحيحا كما سيوافيك بيانه ، ونقله بعض أئمة اللغة كابن الأثير في النهاية . وعلى الجملة فالاماميّة القائلة ب « البداء » في حق اللّه سبحانه لا تريد منه ما نسبه سليمان بن جرير واخذه عنه « الرازي » بلا تحقيق وادّعاه البلخيّ قبل ذلك وإنّما تريد من تلك الكلمة معنى آخر